العوض الخفي

حينما يمر الإنسان في طريق الابتلاء أو الشدة، سيكون الطريق خاليًا من الصحبة، موحشًا، سيتألم ويضيق صدره. لكن في هذا الطريق بالذات، لا بد أن يعي أن الله قدر الابتلاء له لا لمن حوله، وأن يحسن الظن، ويتأهب للعوض الذي سيكون له دون غيره. كيف؟ تأمل معي:

يخفى على الناس في الأوقات الصعبة أن باب العوض قد يكون خفيًا، لا يُرى، ولن تسمع أقوالًا عنه ولا وصفًا له، وكيف يبدو، وكيف يكون حين فتحه.

وبعد التأمل في هذا الأمر، وجدت -والله أعلم- أن من شدة العوض وكبر العطية من الله، سيكون من الصعب وصفه، ولعله يكون الجواب الشافي لك، وما كُتب هنا هو عن الابتلاء الذي يصيب المؤمن الصابر، وليس المقصود به الفاسق أو الكافر المعرض عن ربه:

١- الله جل علاه، وتقدست أسماؤه، عندما قدر لك الابتلاء، [كان أمرًا قدريًا لتغيير مسارك في الحياة].

حياتك ليست كما تظن، ورزقك أكبر، ورسالتك في الحياة لم تنته بعد. لا بد أن تعي هذه الحقيقة المرة، لكن هنا سؤال وجواب: ليس كل من حولك أو قريب منك كتب الله لهم قدرًا رفيعًا، ولا رزقًا وافرًا، ولا منزلة عالية في الدنيا والآخرة. الابتلاء تغيير مسار، وعلى مرارته وثقله، وقد يمكث اليأس عندك سنين عدة، لكن الله يعلم الغيب، وهو خالقك ومدبر أمرك، ويعلم أن العوض سينسيك مرارة فقدك.

٢- ومن صور العوض أنه قد يكون مماثلًا لما فقدت، بل أعظم. أي إن فقدت الراحة والنوم في أيام الابتلاء والحزن، فعندما يحين الفرج سيعوضك الله بالراحة، حتى كأنك تسأل بعدها: أمررت بتعب وشدة؟ وستقول: لم أشعر حتى!

وإن كانت سنين الابتلاء ضيقًا في الرزق مع الحاجة، فبعد الفرج قد يفتح الله عليك من المال والسعة ما لم يتخيله عقلك!

وإن كان الابتلاء ملازمًا لك، واستوحش الناس منك أو من حولك، فإن عوض الله أعظم، وقد يقدر الله لك القبول بين الناس من غير تكلف، ويقذف محبتك في قلوبهم دون أن يعلموا السبب! هذا هو العوض الذي لا يُحكى عنه كثيرًا ممن فرج الله عنهم وعظم شأنهم.

٣- عندما قدر الله هذا الأمر، أنزل عليك الصبر، وما كان صبرك بجهد منك ولا بحذق، إنما كان هذا الابتلاء أمرًا ضروريًا ليغير رسالتك في الحياة، ولتتعلم أمورًا عدة، فالبصيرة لا تزورك وأنت في سعة وفرح، بل ملامحها وقوتها تكمن في الضيق والشدة. ومن رحمة الله جل علاه أن الطباع السيئة تتغير في الابتلاء، فتجد من كان سريع الغضب أصبح بعده أهدأ، ومن كان فيه ضعف وذلة تجده بعد الابتلاء ونزول الفرج في قوة وعزة. نعم، هذا العوض الخفي سيبدل كل أمر كان ظاهرًا أو باطنًا، حسيًا أو معنويًا، وكلها تُعوَّض، ولن تفقد أمرًا والله خالقه ومالكه ومدبره.

بعد أن قرأت هذا المقال، أوصيك أن تعيد قراءته مرة أخرى، لأن ما كُتب هنا قد لا يقوله الناس بعد الفرج، وبعد رؤية العوض وتبدل الأحوال. سينسون آلامهم، وتتبدل أحوالهم، ويرتفع شأنهم، ولو سألتهم لنسوا ما أصابهم.

لذلك أنت صبرت وتصبرت، ورفعت يدك إلى الله في هذا الابتلاء، ومع طي السنين سنة بعد سنة، يزداد إحسان ظنك بربك، ولعل الفرج يكون في هذا العام.

أنت الذي اصطفاك الله بهذه الشدة، وكفر بها ذنوبك وسيئاتك، ورفع منزلتك، وأحب الله صوتك ومناجاتك. ألهذا تيأس؟ لا والله، لا تيأس ولا تحزن، فإن العوض قادم بإذنه، سيكرمك، ويلبسك حلية الفرج، ويسعد عروق قلبك، ولن يبقى للشدة مكان في صدرك، فقد اتسع للعوض بإذن الرحمن.

الزم الدعاء، واسأل الله الفرج، ولا تقنط، وادعُ وأنت موقن بالإجابة، وأكثر من الحمد من الآن حتى تمسي وتصبح، وقل: الحمد لله. فإن باب العوض لن يتبدل، ولن ينقص منه ما ذهب منك أو فقدته في سنين عدة. هنيئًا لك هذه المنزلة والرفعة.

أَصابَ من قلبك موضعًا؟

إن راق لك المقال، فامنحه من نجومك ما ترى. [من اليمين نجمة، ومن اليسار 5خمس نجوم]

متوسط التقييم 0 / 5. نتيجة التصويت 0

لم يخط أحد بعد إلى مجلس التقييم.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى